ابن عربي
50
فصوص الحكم
من المجموع في المجموع » ليست الكثرة الوجودية إلَّا صوراً للمرايا الأزلية التي ترى فيها ذات الحق وصفاته وأسماؤه . وهذه المرايا الأزلية هي الأعيان الثابتة للموجودات وهي على ما هي عليه من العدم - ما شمَّت رائحة للوجود الخارجي ، لأنها ليست سوى صور معقولة في العلم الإلهي . فالكثرة الخارجية إذن - إن قلنا بوجودها - حقيقة واحدة في جوهرها ، أو هي مجالٍ كثيرة لحقيقة واحدة . فالعلو إذن ليس قاصراً على شيء دون شيء - لأن كل شيء مظهر للحق العلي - بل هو صفة عامة لجميع الأشياء ، ولكن في ذات واحد . ولذلك قال : « فما في العالم ( أي في جملته ) من هذه الحيثية - أي من ناحية وحدته الذاتية - علو إضافة ، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة . وإذا كان الأمر على ما وصفنا ، وأن الوجود كله حقيقة واحدة : إن نظرنا إليه من وجه قلنا إنه حق وإن نظرنا إليه من وجه آخر سميناه خلقاً . أو إن نظرنا إليه من حيث الذات قلنا إنه واحد ، وإن نظرنا إليه من حيث الصفات والأسماء قلنا إنه كثير ومتعدد ، وإذا كان الأمر كما قلنا : إن نظرنا إلى الوجود من حيث وحدته قلنا إنه عليٌّ بالذات ، وإن نظرنا إليه من حيث كثرته ، قلنا إنه عليُّ بالإضافة . أقول : إذا فهمنا كل ذلك أدركنا لم وُصِف الحق بالأضداد ولِمَ وُصِفَ أي شيء في الوجود بالأضداد . تقول في الحق إنه كذا من الموجودات - أي من حيث تعينه - وليس بكذا ، أي من حيث ذاته . فهو هو بتقييده ، وليس هو بإطلاقه . وكذلك الحال في صفات الأضداد التي وُصِفَ بها الحق ، كوصفه بأنه الأول والآخر والظاهر والباطن . فهو الأول والباطن من حيث الذات ، وهو الآخر والظاهر من حيث الصفات والأسماء ، أو هو الأول والباطن من حيث وحدته ، وهو الآخر والظاهر من حيث كثرته . وهذا هو معنى قول أبي سعيد الخراز : « إن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد » .